السيد نعمة الله الجزائري

246

نور الأنوار في شرح الصحيفة السجادية

أولها الندم على ما مضى ، الثاني العزم على ترك العود إليه أبدا ، الثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى اللّه سبحانه أملس ليس لأحد عليك تبعة ، الرابع أن تعمد إلى كل فريضة ضيعتها فتؤدي حقها ، الخامس تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد ، السادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية ، وما أحسن قول فيض أهل العرفان إنه لا يكفي المرآة قطع الأنفاس والأبخرة المسودة لوجهها بل لا بد من تصقيلها وإزالة ما حصل في جرمها من السواد كذلك لا يكفي في جلاء القلب من ظلمات المعاصي وكدوراتها مجرد تركها وعدم العود إليها ، بل يجب محو آثار تلك الظلمات بأنوار الطاعات فإنه كما يرتفع إلى القلب كل معصية بنور طاعة يضادها بأن ينظر التائب إلى سيئاته مفصلة ويطلب لكل سيئة حسنة تقابلها فيأتي بتلك الحسنة على قدر ما أتى بتلك السيئة فيكفر استماع الملاهي مثلا باستماع القرآن والحديث والمسائل الدينية ، ويكفر من خط المصحف محدثا بإكرامه وتقبيله وتلاوته ويكفر المكث في المسجد جنبا بالاعتكاف فيه وكثرة التعبد في زواياه وأمثال ذلك ، وأما حقوق الناس فيخرج من مظالمهم أولا بردها عليهم والاستحلال منهم ثم يقابل ايذاءه لهم بالإحسان إليهم وغصب أموالهم بالتصدق بماله الحلال وغيبتهم بالثناء على أهل الدين وإشاعة أوصافهم الحميدة ، وعلى هذا القياس يمحو كل سيئة من حقوق اللّه أو من حقوق الناس بحسنة تقابلها من جنسها كما يعالج الطبيب الأمراض بأضدادها ، وإلى تعدد مراتبها واختلاف فوائدها يشير ما روي عن الصادق عليه السّلام قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه واله وسلّم من تاب قبل موته بسنة قبل اللّه توبته ، ثم قال إن السنة لكثير من تاب قبل موته بجمعة قبل اللّه توبته ، ثم قال إن الجمعة لكثير من تاب قبل موته بيوم قبل اللّه توبته ، ثم قال إن يوما لكثير من تاب قبل أن يعاين ، قبل اللّه توبته ، وفي الحديث المتفق عليه عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلّى اللّه عليه واله وسلّم قال ممن كان قبلكم رجل قتل تسعا وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال له إنه قتل تسعا وتسعين نفسا فهل له من توبة فقال لا ، فقتله وكمل به مائة ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم فقال إنه قتل مائة نفس فهل من توبة فقال نعم ومن يحول بينك وبين التوبة انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون اللّه فاعبد اللّه معهم ولا ترجع إلى أرضك